عمار

عمار طفل عذب في الثامنة من عمره يحب أخته الصغرى حباً جماً. في المرة الأولى التي قابلناه فيها في مكاتب جمعية انارة، جلس عمار يلاعب أخته في حين كان والداه يشرحان لنا حالته الطبية والطريقة الفظيعة التي أصيب بها. لا يشيح عمار بنظره عن أخته فيجلس أمامها متسمراً محاولاً اضحاكها طوال الوقت.

في العام 2016، كانت العائلة تعيش في مدينة محاصرة في سوريا. الحياة كانت صعبة جداً بعدما أحاطت الحرب بهم وضيقت الخناق عليهم. كانوا يلازمون المنزل دوماً ويخافون على حياتهم في كل مرة اضطروا فيها للخروج لتأمين احتياجاتهم الأساسية كالطعام.

في أحد الأيام، سقط صاروخ قرب منزلهم ما أدى الى انفجار المدفأة التي كان يجتمع حولها الأطفال للتدفئة.

توفي شقيق عمار الذي كان يجلس بجواره، في حين أصيب عمار بحروق بالغة على وجهه. تمكنت العائلة من أخذ الجثة والهروب من المنزل الذي انهار بالكامل من قوة الانفجار.

خسرت العائلة كل شيء في بضع دقائق. لقد خسرت طفلاً صغيراً، منزلها ومقتنياتها. كان على الوالدين أن يحافظا على قوتهما لإيجاد الرعاية الطبية اللازمة لعمار.

هرعت العائلة إلى مستشفى تبعد ثلاثة كيلومترات عن مكان الانفجار، إلا أن أحد الأطباء لم يكن باستطاعته المساعدة لأن الطاقم الطبي كان مشغولاً بسبب كثرة الجرحى وليس باليد حيلة.

كان على العائلة الانتقال لمسافة مئة وسبعين كيلومتراً للوصول إلى أقرب مستشفى، لكنها ما لبثت أن اكتشفت أنها تدمرت بالكامل. فالحرب في سوريا دمرت الكثير من المستشفيات وأصبح الحصول على العلاج الطبي شبه مستحيل. أدركت العائلة أنه يجب الحصول على المساعدة في مكان آخر، فعبرت الحدود إلى لبنان.

يعاني عمار من الندوب على وجهه والتي تمنعه من إغلاق فمه بشكل طبيعي، فلديه انقباضات في كلتي شفتيه العليا والسفلى بالإضافة إلى أذنه اليمنى ما يجعل الوظائف الرئيسة البسيطة صعبة بما فيها الأكل والكلام.

يخبرنا الوالد أن عمار أصبح يخاف من كل شيء على صلة بالنار حتى عواد الكبريت.

تعيش العائلة المكونة من ثمانية أفراد في موقع للبناء يتألف من غرفة واحدة مشتركة غير مفروشة مع مطبخ صغير وحمام وتفتقد إلى البنية التحتية. في الشتاء يكون الجو قارس البرودة وفي الصيف يتحول الى حار جداً.

نحاول في جمعية انارة مساعدة العائلة عبر تحويلها إلى بعض المعارف ضمن شبكة تواصلنا كي تتمكن من تأمين سكن أفضل لها.

عندما التقينا عمار اخذناه لمقابلة الأطباء الذين نعمل معهم في المركز الطبي التابع للجامعة الأمريكية في بيروت، حيث أخبرونا أنه بحاجة إلى عملية جراحية كي يتمكن من الأكل والكلام وتحريك فمه بشكل جيد مرة أخرى. كما سيخضع لعملية جراحية ثانية في أذنه اليمنى لإزالة الجلد المحترق عنها.

نأمل أن يقود العلاج الذي يتلقاه عمار حالياً إلى حياة أفضل. فعلى رغم كل ما مر به، الا أن الابتسامة لا تفارق وجهه وهو من أكثر الاطفال مرحاً الذين التقينا بهم.

يُعدّ الوالد من أكثر الداعمين لابنه الصغير. عندما نسأله عن تمنياته لعمار في المستقبل يخبرنا أن الأهم هو المدرسة والتعليم: "يمكنه فعل كل ما يحب لكن الأهم هو دراسته".

خلال لقائنا بوالديه، يهمس عمار كلمات في أذن أخته الصغرى فتضحك بشكل هستيري. نسأله عما يحب أن يفعله عندما يكون في المنزل، فيجيب بحماس: "أحب أن ألعب مع إخوتي ولكن لعبتي المفضلة هي تعليم أختي الصغرى المصارعة".

icon use 4.PNG