سليمان

Icon use 1.PNG

تغيرت حياة سليمان كثيراً منذ أن التقينا به للمرة الأولى في مارس/آذار 2017. حينها قال لنا بحسرة: "يبدو وكأن حياتي قد انتهت".

لقد جلس الشاب البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً أمامنا اليوم وهو قادر على القيام بأشياء لم يكن يحلم بها منذ بضعة شهور. كما أن شمل العائلة قد التمّ مع عودة والده الذي كان مفقوداً لسنوات، وبالتالي أصبح بإمكانه أن يحقق حلمه وأن يصبح مصفف شعر.

لقد أصيب سليمان منذ أكثر من خمسة أعوام، عندما كان ذاهباً إلى مكتبته المفضلة في المدينة التي كان يسكن فيها. كان متحمساً بشدة ليري أصدقاءه في المدرسة ما اشتراه. وفي طريق العودة إلى المنزل سمع دوي انفجار ضخم ثم لم يعد يعي شيئاً.

يتذكر سليمان بعدها والدته وهي تساعده على النهوض، كان الغبار يغطيه والدم ينزف من جسمه. قامت بسحبه من الشارع، حيث أوقفت سيارة وتوسلت سائقها أن يأخذها إلى أقرب مستشفى.

أخبره الأطباء بأنه من المرجح أن يقوموا ببتر ساقه. وعلى الرغم من أن سليمان شعر بالراحة لعدم حدوث ذلك إلا أن الشظايا كانت قد مزقت جسده. وعن ذلك اليوم يخبرنا بحزن: "أكثر ما أتذكره هو أصوات رنين الشظايا التي كان الأطباء يخرجونها من جسدي ليضعوها في وعاء حديدي".

تمكن الأطباء من إخراج معظم الشظايا من جسده ولكنهم عجزوا عن إخراج واحدة كانت قد اخترقت فخذه الأيمن بعمق وكان السبيل إلى ذلك هو خضوعه لعملية جراحية.

بعد أسابيع عدة على خروجه من المستشفى عاد سليمان إلى مدرسته. كان سعيداً بلم شمله مع أصدقاءه. كان مقرباً جداً منهم، وهم قاموا بمساعدته على التنقل إذ إنه كان يعاني من عرجة حادة وكان من الصعب عليه أن يقف لمدة طويلة.

وفي أحد الأيام وقع انفجار في المدرسة. يخلو وجه سليمان من التعابير بينما يحدثنا عن هذا الجزء: "قتل جميع أصدقائي. جميعهم ماتوا ولم يتبق غيري. والآن لا أرغب بالعودة الى المدرسة".

بعد مدة قصيرة من تدمير مدرسته وخسارته جميع أصدقائه، اختفى والد سليمان فجأة. عندها أدركت الوالدة استحالة بقائها في سوريا، فقد كادت أن تفقد ابنها مرتين، في حين أصبح زوجها في عداد المفقودين.

عندما وصلوا إلى بيروت للمرة الأولى، لم يكن لدى العائلة أي مكان تعيش فيه، فكانت تبيت على أرصفة الكورنيش البحري في بيروت. كانت تفرش ملابسها في الشارع وتنام عليها.

في النهاية، قام شقيقها بإرسال مبلغ من المال لمساعدتها لحين الحصول على عمل. تمكنوا من استئجار شقة ووجدت الوالدة عملاً متواضعاً ولكنهم ظلوا يعانون لدفع الإيجار.

قامت منظمة "إنترسوس" بإحالة سليمان إلى جمعية انارة. عندما حضر لاجراء فحص شامل في المركز الطبي التابع للجامعة الأمريكية في بيروت، كان سليمان خائفاً من أن يقوم الأطباء ببتر ساقه، ولكنه شعر بالارتياح الشديد عندما أجلسه الدكتور غسان أبو سته وشرح له مكان تمركز الشظايا وكيف أنه سيتمكن من المشي بشكل طبيعي بعد العملية.

قام الأطباء بإخراج الشظايا من فخذ سليمان الأيمن، وأصبح بإمكانه المشي من دون أي ألم.

بعد ذلك، قمنا بإحالة سليمان الى منظمة "أطباء بلا حدود" التي التقى من خلالها طبيباً نفسياً على مدى جلسات عدة لكي يخرج ما في داخله من مآسي وصدمات عاشها في سوريا.

تخبرنا والدة سليمان أننا قدمنا خدمة مذهلة لابنها الذي أصبح أكثر نشاطاً. هو يعمل ويمشي ويقف بشكل طبيعي الآن.

كما نجح سليمان في العثور على وظيفة أحلامه، حيث يعمل كمصفف للشعر. وعن تجربته هذه يخبرنا: "أنا أحب عملي وأتعلم منه الكثير. أصبحت قادراً على تحمل المسؤولية والمساعدة في دفع فواتير المنزل".

منذ سنة تقريباً، حصل شيء لا يصدق. كانت الوالدة جالسة في المنزل عندما رنّ هاتفها ولم تكن تعرف رقم المتصل. أجابت فكان زوجها! لقد وصل لتوه الى لبنان وأراد أن يعرف مكان اقامتهم للقائهم أخيراً. كان مختبئاً في سوريا خوفاً من أن يتم القبض عليه من قبل احدى الجماعات المسلحة التي تقاتل هناك. كانت لحظة اللقاء عاطفية للغاية والعائلة بأسرها سعيدة لاجتماع كل أفرادها مجدداً.

icon use 4.PNG